عفا الله عما مضى     ---     كلنا يحمل جاسوساً يراقبه     ---     فلسطينيو سوريا والقوانين الناظمة     ---     المجالي يستعيد رتبته العسكرية!     ---     الحكم والحكومة في سورية: ليس خطأ ترجمة     ---     غير العرب يكرهون إسرائيل أيضاً     ---    
الجديد :
الرئيسية » البحوث والدراسات » الدراسات العسكرية » قصة الحرب النووية الامريكية الثالثة ضد العراق ( اطلاقة اليورانيـــوم من الانتاج الى الاستخدام)

قصة الحرب النووية الامريكية الثالثة ضد العراق ( اطلاقة اليورانيـــوم من الانتاج الى الاستخدام)



أخبار ذات علاقة
إعلان تجاري
12-07-14 14:31 0 المشاركات RSS 2.0

قصة الحرب النووية الامريكية الثالثة ضد العراق ( اطلاقة اليورانيـــوم من الانتاج الى الاستخدام)

( الموضوع مع صور تنشر لاول مرة من ارشيف الباحث الخاص)


الباحث عبد الوهاب محمد الجبوري( *)

تمهيد

1 . تعرض العراق خلال حرب (1991 ) إلى عمليات قصف جوي واسع استهدف تدمير البنى التحتية والاقتصادية للشعب العراقي .. كما تعرضت القطعات العسكرية العراقية والأهداف المدنية العراقية على حد سواء ( حتى بعد صدور قرار وقف إطلاق النار يوم 28 / 2 / 1991 وبالتحديد في الأيام 1و2 و3 آذار 1991 ) إلى استخدام مختلف أنواع الأسلحة والاعتدة والقنابل التقليدية والمحرمة دوليا والمنظومات والصواريخ الأكثر تطورا وفتكا في العالم وبشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب إلا في حرب احتلال العراق عام 2003 ..
وبعد مرور عدة سنوات على هذه الحرب بدأت تتكشف حقائق مرعبة تمثلت في الآثار الشديدة الخطورة على البيئة والسكان في العراق نتيجة استعمال الأسلحة الإشعاعية ولا سيما المقذوفات المصنوعة من اليورانيوم المنضب ..
2 . بالإضافة إلى القوة النارية الهائلة ووسائل الدمار التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد العراق ساهم الإعلام الغربي والإسرائيلي بشكل واسع في هذه الحرب بقصف إعلامي مركز هدفه التضليل والترويج من أن هذه الحرب نظيفة ، ومرت زوبعة الحرب وبدأت الحقائق بالظهور : أهمها وأخطرها أنها حرب استهدفت المدنيين والأهداف المدنية على حد سواء مع الأهداف العسكرية في عموم العراق وليس في جنوبه فقط وبالاستخدام المفرط وغير المبرر لهذه الأسلحة الفتاكة .. والعراقيون الذين عاشوا تلك الأيام المروعة من حياتهم قد عرفوا ، مثلما عرف العالم كله ، أن الولايات المتحدة قد استخدمت في تلك الحرب أسلحة دمار شامل للمرة الثالثة بعد هيروشيما وناغازاكي أبرزها الأسلحة والذخائر الحاوية على اليورانيوم المنضب ، وبكمــيات كبيبرة جدا بلغت حـــــسب احد المصادر ( 300 ) طن (1) .. في البداية زعموا انه واطئ الإشعاع وعديم الضرر أو أن ضرره مؤقت ، ولكن حين بدأت أعراض ما سمي في حينه ( مرض لعنة العراق ) أو ( مرض حرب الخليج ) بالظهور على الجنود الأمريكان والبريطانيين وبعد الحقائق التي أعلنها العراق للعالم عن استخدام القوات القوات الأمريكية والبريطانية لأسلحة اليورانيوم المنضب ضد الأهداف العراقية وتكشف أثارها الخطيرة على الصحة والبيئة وكذلك بعد الإعلان لاحقا عن استخدام حلف الأطلسي لهذه الأسلحة في البلقان وظهور الكثير من الإصابات السرطانية والغامضة بين أفراده ، حتى تغير كل شـيء ولم يعد بالإمكان إخفاء هذه الحقائق فترة أطول عن الأمريكيــين والرأي العام العالمي ..
3 . قال الجنرال ( نورمان شوارزكوف ) رئيس أركان الجيش الأمريكي في الأول من تشرين الأول عام 1990 : ( إن الولايات المتحدة قد تمحق العراق )(2) ، وقال الجـــنرال ( ميرل مكبك ) قائد القوة الجوية الأمريكية خلال حرب 1991 : ( نحن نقترب من الحرب مع دولة من العالم الثالث ولكننا نضع خططنا وكأنها ستكون الحرب العالمية الثالثة )(3) وقال ( جيمس بيكر ) في التاسع من كانون الثاني عام 1991 ، أي قبل الحرب بحوالي أسبوع : ( سنعيد العراق إلى العصر ما قبل الصناعة )(4) وهذا اعتراف واضح أن أهداف الحرب على العراق عام 1991 كانت تتجاوز ما أعلن عنه في حينه وهو إخراج القوات العراقية من الكويت ، إلى تطبيق خطة أعدت منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988 هدفها تدمير العراق وإسقاط نظامه السياسي واحتلاله .. في حرب 1991 تحقق الهدف الأول وفي حرب 2003 تحقق الهدفان الثاني والثالث ..

تعريف باليورانيوم المنضب

بداية لابد من التعريف باليورانيوم المنضب كما ورد في مصادر المعلومات العلمية المختلفة ، ومنها مصادر خاصة حصل عليها الباحث من خبراء وباحثين غربيين متخصصين منذ العام 1992 ، لكي تكون متابعة القارىء الكريم متواصلة معنا بكل تفاصيلها ..
فاليورانيوم الخام الموجود طبيعيا في أماكن متعددة من العالم بتراكيز مختلفة يتكون من أربعة نظائر مشعة أعدادها الكتلية ( 230) و( 234) و(235) ويوجد اليورانيوم (238) بتركيز يبلغ (28ر98%) ويكون في حالة توازن مع اليورانيوم ( 234) الذي يوجد بنسبة (0058, 0) جزء بالمليون، بينما تبلغ نسبة اليورانيوم (235 ) حـــوالي ( 71 ,0% ) والنسبة الباقية هي لليورانيوم ( 230) ..
ويتم تخصيب اليورانيوم بعمليات معقدة تشمل زيادة نسبة اليورانيوم (235) الموجودة طبيعيا إلى نسبة قد تصل إلى 90 % .. ويستخدم اليورانيوم المخصب في تصنيع وقود المفاعلات أو الأسلحة النووية ، ويتولد اليورانيوم المنضب ( أو كما يسمى المستنفد ) كناتج عرضي ، والتسمية ناتجة عن انخفاض نسبة تركيز اليورانـــيوم ( 235) فيه من ( 71 , 0 %) إلى نحو ( 2,. – 3, . )وتزداد نسبة اليورانيوم ( 238) فيه من (99,28% ) إلى ( 7, 99%) ..
وكل من اليورانيوم (235 )واليورانيوم ( 234) عنصر مشع وبعد عملية الفصل يصبح اليورانيوم المستنفد من المخلفات النووية ويكون ساما ومشعا وفي صحبته أيضاً جانب من اليورانيوم (235) ولذلك تبلغ نسبة إشعاعه 60% من إشعاعات اليورانيوم المخصب وباستمرار هذه العملية أكثر من (50) سنة في الولايات المتحدة واستخدامها في الأسلحة النووية والمفاعلات تم إنتاج أكثر من نصف مليون طن من النفايات النووية الحاوية على اليورانيوم المنضب ..

أسباب إنتاج اليورانيوم المنضب

في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات شكلت الحشود الهائلة من الدبابات السوفيتية وحلف وارشو التي زادت عن ( 45 ) ألف دبابة بعضها من أحدث الأنواع في تلك الفترة من طراز تي ( 72) ونماذجه المختلفة ، قلقا لحلف الأطلسي ، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى التفكير جديا في إيجاد حل يتصف بالبساطة في النقل والاستخدام وان يتم نشره على نطاق واسع خلال فترة زمنية قصيرة ..وقد أسفرت جهود العلماء في الجيش الأمريكي عن التفكير في استثمار تلك الكميات الهائلة من النفايات النووية الأمريكية أكثر من فرحين عندما علموا بان هناك من ينوي الاستفادة من هذه المادة التي كانوا يحتارون في كيفية التخلص منها ..وكانت المشكلة

وقد قدر العلماء والمختصون أن العمر النصفي لليورانيوم (238 ) أطول من أعمار الكون والشمس والأرض ، ففي حين يبلغ عمر الأرض حوالي (4) مليارات سنة ونصف والشمس حوالي (10) مليارات سنة والكون حوالي (15) مليار سنة ، فان اليورانيوم المستنفد يقدر عمره النصفي حوالي (4) مليارات ونصف المليار عام وحتى يفقد قدرته على الإشعاع يحتاج إلى (10) أعمار نصفه أي حوالي (40) مليار سنة ..
وهذا يعني أن المناطق المضروبة بهذه الأسلحة في العراق ( المنطقتين الوسطى والجنوبية خاصة ) ستبقى ملوثة فترة طويلة جدا وان آثارها وتأثيراتها الخطيرة على الإنسان والبيئة والحيوان ستتزايد باستمرار مع مرور الزمن ما لم تتخذ الإجراءات الخاصة بدفن وردم هذه المواد المشعة والأهداف التي أصابتها (وهو ما كان قد بوشر به قبل احتلال العراق من قبل الحكومة العراقية وبالتعاون من منظمة الصحة العالمية ومنظمة الطاقة الذرية وجهات دولية أخرى ) من خلال لجان خاصة شكلت لهذا الغرض ، لكن الباحث ، الذي كان يتابع هذا الموضوع حتى عام 2003 ، لا يدري هل توقفت هذه الجهود أم ما زالت مستمرة وان كان اعتقاده أنها توقفت ، والخطورة الأكبر أن العراق تعرض خلال حرب احتلاله عام 2003 إلى استخدام هذه الأسلحة بشكل وبحجوم تفوق ما حصل في عام 1991 وحسب اعتراف مسؤولين عراقيين(5) ووسائل الأعلام الأمريكية والغربية ، مما سيضاعف من كثافة المخاطر والتأثيرات المخيفة التي سيتعرض لها الشعب العراقي وبيئته وثرواته الحيوانية والمائية في المستقبل اشد واخطر مما ظهر في العام 1991 ..

مميزات اليورانيوم وتأثيراته

يتميز اليورانيوم المنضب بمواصفات تحبذ استخدامه في القذائف الخارقة للدروع ومنها :
كثافته العالية التي تبلغ (19) ألف كيلو غرام للمتر المكعب الواحد ، مما يعطيه زخما عاليا يساعد على اختراق الدروع ، خاصية التهاب مما يؤدي إلى انفجار الوقود والعتاد داخل الدبابة أو الآلية المضروبة محدثا دمارا شديدا ، ورخص ثمنه ، إذ انه يعتبر نفايات نووية تسبب مشكلات بيئية خطيرة ..
وتكون قذائف اليورانيوم المنضب على شكل سبيكة تتألف من ( 25, 99 %) يورانيوم منضب و(0,75%) تيتانيوم ، أو ( 1, 98%) يورانيوم منضب و( 2 %) مولبدنيوم ..
وتستخدم هذه القذائف كعتاد للطائرات والدبابات وناقلات الأشخاص المدرعة والطائرات السمتية ..
وتتولد عند ارتطام قذيفة اليورانيوم المنضب حرارة شديدة تتسبب في تشظية القذيفة إلى قطع متفاوتة الحجم ، قسم منها صغير جدا يكون على شكل هباء جوي ينتشر في البيئة ويسبب تلوثا إشعاعيا بدرجات متفاوتة استنادا إلى المسافة عن الهدف المضروب وكمية اليورانيوم المستنفد الموجود في القذيفة ونمط التشظي ..
وبهذا تتحول المسالة من قذيفة ضد الدروع إلى مشكلة تتعلق بالنشاط الإشعاعي البيئي وتعرض السكان للإشعاعات النووية الناتجة عن أسلحة اليورانيوم من مختلف الأنواع والعيارات .. وقد وجد الباحث خلال زياراته الميدانية للمنطقى الجنوبية من العراق للفترة من 1993- 2003 أن الإشعاع الناتج عن تشظي مقذوفات اليورانيوم قد انتشر إلى بضعة كيلومترات من منطقة الهدف المضروب ( دبابة أو آلية أو مبنى أو منشاة نفطية أو أي هدف آخر، وان سكان المناطق التي تقع على مسافة من 7 – 10 كم قد أصيبوا بأمراض سرطانية مختلفة كما حصل في حقل الرميلة الشمالي وسفوان وأم قصر ) وهناك أدلة وشواهد كثيرة يعرفها أهلنا في البصرة والعمارة والسماوة والناصرية ..
ويتعرض السكان إلى المواد المشعة الموجودة في البيئة بطرائق متعددة تشمل :
التعرض الخارجي عندما يكون المصدر خارج الجسم والتعرض الداخلي الناجم عن استنشاق الهواء الملوث بالمواد المشعة أو تناول المواد الغذائية الملوثة بالمواد المشعة ..

أنواع وحجوم قذائف اليورانيوم

بعد بحوث أمريكية عديدة استمرت سنوات طويلة اقترنت بالإفادة من خبرة مجموعة من الباحثين الألمان الذين كانوا قد اكتشفوا هذه الأسلحة أثناء الحرب العالمية الثانية ، تم إيجاد حل لمشكلة تحويل مادة اليورانيوم الهشة إلى مادة متماسكة صلبة قادرة على خرق الدروع والأجسام الصلبة وجرى تصنيع وتطوير قذائف عرفت باليورانيوم المستنفد من هذه النفايات ومواد أخرى وأنتجت لأول مرة من قبل شركة (هوني ديل) الأمريكية عام 1977، لكنها لم تستخدم فعلياً في الحروب إلا خلال الحرب على العراق عام 1991 ( وهي أول مرة تستخدم فيها هذه الأسلحة في العالم ) وبكثافة عالية جداً بلغت حوالي مليون إطلاقة يورانيوم مستنفد جو/ أرض عيار (30) ملم تحتوي كل منها على (300) غم يورانيوم ، بالإضافة إلى حوالي (15) ألف مقذوفة دروع عيار (105) ملم و (120) ملم يحتوي كل منها بين (2ر2 كغم – 10 كغم) يورانيوم كما في قذائف M 735 – Al عيار (105) ملم المستخدمة في الدبابات الأمريكية M60 – Mi المجهزة بمدفع M68 وقذائف M829 عيار (120) ملم المستخدمة في الدبابات MIA2 , MIAL , M60, Ml إبرام وكذلك الآلاف من الألغام الأرضية نوع ADAM PDM التي تستخدمها المدفعية الأمريكية عيار 155 ملم والتي يحتوي كل منها على (1 ر0) غم يورانيوم..
هذا بالإضافة إلى قذائف نوع XM 919 عيار (25) ملم التي استخدمتها عجلات القتال (برادلي) خاصة تلك التي كانت تابعة للفرقة الأمريكية ( 129 ) الآلية في حقل الرميلة الشمالي يومي 2 و 3 آذار 1991، أي بعد قرار وقف إطلاق النار يوم 28/2/1991 ، ويبلغ وزن اليورانيوم في كل قذيفة من هذه القذائف (5ر8) غم ..
أن هذا الحجم الهائل والمكثف لأسلحة اليورانيوم الاشعاعية المحرمة دوليا ومن مختلف الأنواع والعيارات التي استخدمت بوحشية مفرطة ضد الأهداف المدنية والعسكرية العراقية تسمح بتقدير مجموع وزن اليورانيوم المنضب الذي ألقي على العراق بين (350 ـ 450) طن وتقدر مصادر أمريكية متعددة ومنها تقارير الخبير الأمريكي ( ديماسيو لوبيز ) و (دان فاهي ) أن مجموع الوزن الكلي لأعتدة اليورانيوم المنضب المستخدمة من قبل القوات الأمريكية والبريطانية ضد العراق بلغ (700) طن بما في ذلك كميات أسلحة اليورانيوم الهائلة التي تعرضت إلى التفجير والاحتراق في معسكر الدوحة غرب مدينة الكويت بتاريخ 11/7/1991 ..
وهذا يعني أن حجم التلوث الإشعاعي الذي تعرض له العراق يفوق التلوث الإشعاعي الناتج عن قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، وإذا أضفنا حجم وزن المقذوفات التقليدية التي ألقيت على العراق خلال حرب 1991 البالغة (141921) طن (والتي تعادل 7 قنابل ذرية من عيار هيروشيما) فلنتصور إذن حجم الدمار الهائل الذي تعرض له العراق ، والذي ليس له مثيل في تاريخ الحروب إلا في حرب احتلاله عام 2003 .. هذا مع العلم بأن حجم أسلحة اليورانيوم المستنفد التي استخدمها القوات الأمريكية في حرب البلقان عام 1999 لا يزيد عن (13) ألف إطلاقة يورانيوم حسب معظم المصادر الغربية والتي سببت حصول إصابات سرطانية كثيرة بين جنود حلف الأطلسي الذين استخدموا هذه الأسلحة ، وبذلك انقلب السحر على الساحر، كما حدث خلال الحرب على العراق عام 1991 الذي زادت إصابات الجنود الأمريكان والبريطانيين عن (170) ألف إصابة سرطانية وغامضة الأمر الذي تسبب في ظهور عمليات احتجاج واسعة لدى العسكريين المصابين وعوائلهم وجمعيات المحاربين القدماء الذين راحوا يطالبون بالتعويضات والعلاج والاهتمام بأمورهم وأحوالهم لكن الإدارتين الأمريكية والبريطانية رفضتا في وقتها الاستجابة لهذه المطالب التي أخذت تسميات خطيرة تحولت إلى أزمة حقيقية سببت قلقا للمجتمع الأمريكي في حينه وما زالت تعاني منه الشيء الكثير ، وهو ما تحدث عنه أكثر من عسكري أمريكي وبريطاني وجيكي وفرنسي وأكثر من صحفي غربي زاروا العراق قبل احتلاله عام 2003 وذكروا للباحث بالتفصيل كيف أن العناصر الأمنية كانوا يطاردونهم ويعرضونهم إلى المسائلة أو الاتهام بتشويه الحقائق على حد زعمهم بمجرد أن يعرفوا بنشاطاتهم في هذا المجال ..

الآثار الصحية والبيئية لليورانيوم

يتحرر اليورانيوم المستنفد من الأعتدة الحاوية له عندما يخترق الرأس الحربي سطح الهدف وتتحول طاقة اليورانيوم الحركية إلى طاقة حرارية وتنتج دقائق عالقة تحتوي على تركيز عال من اليورانيوم وتدخل جسم الإنسان بالطرق التالية:
1 . الاستنشاق : فعندما يكون اليورانيوم المستنفد بصيغة اوكسيد اليورانيوم ، وعلى شكل دقائق عالقة، يدخل جسم الإنسان عن طريق الجهاز التنفسي وتستقر الذرات الدقيقة الحجم في الرئتين وبذلك تتعرض إلى الإشعاع المنبعث من اليورانيوم الذي يكون عبارة عن نقطة مشعة حمراء في الرئتين يسبب بقاؤها مدة طويلة تلف الخلايا والإصابة بسرطان الرئتين.
2 . الجهاز الهضمي: عند احتراق خارق اليورانيوم يتحول جزء منه إلى دقائق تستقر على الماء والأغذية وتدخل ذرات اليورانيوم جسم الإنسان عند تناوله الأغذية والمياه الملوثة به عن طريق الجهاز الهضمي حيث تكون تأثيراتها مضاعفة ، لان اليورانيوم هو احد العناصر الثقيلة (السمية) بالإضافة لكونه عنصرا مشعا ، وبدخول اليورانيوم مجرى الدم ينتقل إلى كافة أعضاء الجسم ليتركز معظمه في الكلية والعظام مسببا سرطان العظام والكبد والكلية والدم ..
وتعتبر الكلية من أكثر أعضاء الجسم حساسية لليورانيوم المستنفد بشكل عام فان تحديد الخطورة الناتجة عن التعرض للجرع الإشعاعية المتأتية من أشعة غاما بالذات يدخل فيها الكثير من العوامل التي لا يزال بعضها مجهولا.. وتخترق ذرات اليورانيوم الجسم أيضا عن طريق الجلد والإصابات المباشرة ..
ومن الأضرار الصحية الأخرى التي يتعرض لها الإنسان نتيجة التعرض لليورانيوم هي التأثيرات الوراثية من جراء تلف الخلايا التكاثرية والذي يؤدي إلى حدوث الطفرة الوراثية.. لقد تسبب الحجم الكبير من الأسلحة الإشعاعية التي استخدمت ضد العراق في إحداث تأثيرات كبيرة على الواقع البيئي والصحي في العراق ، وتم إجراء العديد من الدراسات والبحوث للمناطق التي استخدمت فيها هذه الأسلحة بكثافة في ساحة العمليات الجنوبية وخاصة مناطق (حقل الرميلة الشمالية والجنوبية ، مطار الشامية وكديرة العظيمي – المنطقة التي كانت تعرف بالمنطقة المنزوعة السلاح بين العراق والكويت بما فيها منطقة جبل سنام وسفوان وأم قصر – منطقة السلمان – المياه الإقليمية العر اقية في خور الزبير وشمال الخليج العربي) ..
وقد توصلت هذه الدراسات بالإضافة إلى الزيارات الميدانية التي قام بها الباحث مع عدد من المختصين المختصون في هذا المجال من المدنيين والعسكريين ، إلى المناطق المذكورة لغرض إجراء الفحوصات الإشعاعية الميدانية، إلى تحقيق العديد من النتائج أبرزها :
أ . وجود تلوث إشعاعي في المناطق المذكورة وقد شمل أيضا بعض النبات الطبيعي وعناصر السلسلة الغذائية.. ووجدت كذلك مساحة تقدر بحدود (1044800) مترا مربعا من التربة الملوثة تتعرض فيها أحياء التربة إلى تراكيز عالية من المواد المشعة ..
ب . أما فحوصات المياه فلم تؤشر زيادة في تراكيز النظائر المشعة في المياه الجوفية والسطحية (حتى عام 1998) ولكنها أشرت زيادة في رسوبيات القنوات المائية القريبة من الحدود الجنوبية الغربية مما يؤكد انتشار التلوث الإشعاعي باتجاه الكويت والسعودية ..
ج. أصبح 31% من الثروة الحيوانية (المواشي) معرضة إلى التلوث الإشعاعي ..
د. أما بالنسبة للتأثيرات الصحية فقد شهد عام 1991 وفاة (50) ألف طفل عراقي مصابين بمختلف الأمراض ومع مرور الوقت بدأت تظهر العديد من الأمراض المرضية والسرطانية والغامضة بين مختلف الفئات العمرية من كلا الجنسين وخاصة العسكريين الذين كانوا في الخدمة خلال الحرب وعوائلهم .. وفي ضوء الإجراءات الصحية التي قام بها الباحث مع مجموعة البحث العلمية لإيجاد العلاقة بين الأمراض السرطانية والغامضة والعامل المسبب (اليورانيوم المـستنفد) في عموم العراق بلغ عدد الحالات التي تم فحصها ( كنموذج ) (1425) حالة سرطانية للعسكريين حيث أظهرت هذه النتائج وجود زيادة في الأمراض السرطانية عدة أضعاف عما كان عليه الواقع الصحي في العراق قبل الحرب وهذه الأمراض هي ( الغدد اللمفاوية – الدم – الرئة – الدماغ – الجهاز الهضمي – الخصية – العظام – البنكرياس – الغدد اللعابية – الكبد) مع ظهور حالات مرضية غريبة كالتشوهات الخلقية للأجنة بوجود أعضاء أضافية غير طبيعية أو ضمور بعض الأعضاء وولادات حية برأس منتفخ ومتورم مع الإصابات في العين وظهور حالات من التوائم المنغولية غير الطبيعية إضافة إلى تشوهات العظام وحالات الصداع الشديد وأمراض العقم غير المفسرة لكلا الجنسين وزيادة حالات الإسقاط والولادات الميتة والمبكرة وعسر الولادة.. وإزاء هذه المخاطر قامت الجهات العراقية المختصة بالتنسيق وإجراء الاتصالات مع الجهات الصحية الدولية والمنظمات الإنسانية والجهات الأخرى ذات العلاقة بهدف التشاور في مجالات التوصل إلى أفضل أساليب المعالجة الطبية لهذه الأمراض وكذلك للبحث في مجالات تطهير التلوث الإشعاعي الواسع في جنوب العراق(6)..

الاعترافات الأمريكية

على أثر إعلان العراق عن هذه النتائج وتوثيقها أمام العالم بمختلف الوسائل الإعلامية اضطر المسؤولون الأمريكيون والبريطانيون إلى الاعتراف باستخدام التحالف لهذه الأسلحة وتأثيراتها على الصحة والبيئة في العراق، وقد سبق أن تناول الباحث هذا الموضوع بالتفصيل ونشرها بدراسات ومقالات في مختلف وسائل الإعلام موثقة بالدليل المادي والشواهد الميدانية والعلمية وتم توزيعها على الكثير من الباحثين والمهتمين في هذا الجانب في حينه ، كما تم إلقائها من قبله ومن قبل مختصين عراقيين على شكل محاضرات داخل العراق وخارجه وخلال المؤتمرات التي كانت تعقد لهذا ..
بعد هذه المرحلة من كشف وتأكيد استخدام اليورانيوم المنضب ضد العراقيين ، بدأت ترد إلى المختصين العراقيين والمهتمين بهذا الجانب وثائق أمريكية وغربية لكبار العلماء المختصين في هذا المجال تتحدث عن مجالات استخدام القوات الأمريكية لهذه الأسلحة وإخفاء أمر ذلك حتى عن الجنود الأمريكان أنفسهم وبيان التأثيرات المرضية والسمية والإشعاعية الخطيرة على الإنسان والبيئة متضمنة الكثير من المعطيات العلمية والصحية والميدانية عن هذه الجوانب مما اسقط في أيدي قادة الحرب الأمريكيين والبريطانيين وتكشفت الحقائق أمام العالم عن اخطر وأبشع حرب نووية بعد قنبلتي هيروشيما وناغازاكي ..

الاستنتاجات

مما تقدم نخلص إلى ما يأتي:

1 . أن الحرب عام 1991 كانت أول حرب تستخدم فيها أسلحة اليورانيوم المستنفد لكنها لن تكون الأخيرة ( وهذا الاستنتاج وضعه الباحث عام 1994 ) لأن هنالك العديد من الدول ربما تكون قد حصلت على هذه الأسلحة وحسب آخر المعلومات التي نشرتها وسائل الإعلام فأن إسرائيل وتركيا ودول عربية قد تم تزويدها بهذه الأسلحة من قبل الولايات المتحدة مكافأة على دورها ومشاركتها في الحرب على العراق ..
2 . إن الانتشار السريع لامتلاك واستخدام أسلحة اليورانيوم المستنفد بين الدول سوف يساوي إلى حد ما بين قدرات المتنازعين في ميادين القتال وبذلك قد تخسر الولايات المتحدة التفوق الذي تتمتع به الآن في هذا المجال ..
3 . إن الاستخدام الواسع النطاق للأسلحة الإشعاعية وغير المبرر عسكريا يتعارض مع الادعاءات الأمريكية البريطانية بأن الأسلحة التي استخدمت كانت تقليدية وأن الحرب كانت نظيفة مما يمكن اعتبارها جرائم حرب وإبادة جماعية بشعة يعاقب عليها القانون الدولي استنادا إلى اتفاقية لاهاي الأولى عام 1899 والثانية عام 1907 واتفاقيتي جنيف الأولى عام 1925 والثانية عام 1949 ومبادىء ميثاق (نورنبرغ) عام 1945 وكذلك بموجب قواعد القانون الدولي والإنساني.. إن كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا قد قبل بهذه المبادىء وهي مثبتة في الدليل الاسترشادي للجيش الأمريكي تحت عنوان (قانون الحرب البرية) لعام 1956 لذلك فأن هاتين الدولتين هما المسئولتان عن المعاناة الإنسانية التي يتكبدها الجيل الحالي في العراق والأجيال القادمة أيضاً..
4 . أشارت تقارير المعلومات وتصريحات مسئولين عراقيين وغربيين أن الولايات المتحدة استخدمت أسلحة اليورانيوم للمرة الثانية في حرب احتلال العراق عام 2003 وبكميات اكبر مما حصل في حرب 1991 مما يشير إلى خطورة الأوضاع الصحية لعموم الشعب العراقي والتي بدأت تزداد في الظهور بعد عدة سنوات من هذه الحرب ويتوقع أن تزداد نسبة الإصابات بالأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية والإجهاض المتكرر عند النساء وغيرها من الأمراض إلى أضعاف ما شاهدناه ولمسناه بعد حرب 1991 وستستمر هذه الحالة إلى عشرات السنين القادمة …

********

الهوامش

(*) هو احد العراقيين الباحثين في مجال اليورانيوم المنضب والذي تمكن مع عدد من الباحثين والمختصين الآخرين من العثور ، لأول مرة في العراق عام 1993 ، على مقذوفات اليورانيوم في محطة نفط خرانج قرب الحدود العراقية السعودية الكويتية وهي المحطة التي ضربتها القوات الأمريكية بأسلحة اليورانيوم المنضب وبآلاف الاطلاقات من عيار 30 ملم ..
1 . رامزي كلارك ، وزير العدل الأمريكي الأسبق ، ومجموعة من الباحثين المتخصصين ، اليورانيوم المنضب معدن العار ، الجزء الثاني ، إصدار المركز الوطني الأمريكي لبحوث حرب الخليج ، ( باللغة الانكليزية )
2 . جيف سيمونس ، التنكيل بالعراق ، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1998
3 . المصدر السابق ..
4 . المصدر نفسه ..
5 . انظر تصريح وزيرة البيئة العراقية حول تلوث العراق بأسلحة اليورانيوم المنضب جراء الحرب التي شنتها أمريكا على العراق عام 2003 ، والمنشور في موقع الجيران في 5/ 7 / 2008
6 . يحتفظ الباحث بمئات الصور عن هذه الأمراض التقطت ميدانيا من مستشفيات العراق وخاصة مدينة البصرة التي أصيب الكثيرون من أبنائها الأعزاء من أطفال ونساء وشيوخ ورجال وشباب بآلاف الحالات المرضية المشار إليها آنفا .. وسيتم نشرها بعون الله في اقرب فرصة ..
وفيما ياتي بعض من هذه الصور التي التقطها الباحث شخصيا او حصل عليها من مصوره الخاص وتم توزيعها على وكالات الانباء والفضائيات في حينه
يتبع الصور على الرابط التالي:

http://www.airssforum.com/showthread.php?t=94597

 * الباحث عضو في منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية


تعليقات وآراء
النشرة الدورية أنشطة المعهد تحت المجهر مواقعنا إعلانك هنا