عفا الله عما مضى     ---     كلنا يحمل جاسوساً يراقبه     ---     فلسطينيو سوريا والقوانين الناظمة     ---     المجالي يستعيد رتبته العسكرية!     ---     الحكم والحكومة في سورية: ليس خطأ ترجمة     ---     غير العرب يكرهون إسرائيل أيضاً     ---    
الجديد :
الرئيسية » البحوث والدراسات » الدراسات العسكرية » الجهاز الدفاعي السري..عسكرة الإستخبارات من قلق النهايات!

الجهاز الدفاعي السري..عسكرة الإستخبارات من قلق النهايات!



أخبار ذات علاقة
إعلان تجاري
12-05-02 14:09 0 المشاركات RSS 2.0

 الجهاز الدفاعي السري..عسكرة الإستخبارات من قلق النهايات!

نبيل نايلي*

“لقد شكّلنا جهازا جديدا أطلقنا عليه تسمية: الجهاز الدفاعي السرّي ، Defense Clandestine Service، سيتولّى دمج قدرات الدفاع الإستخباراتية بالتنسيق مع بقية المنظومة لكي تعمل كلّها في تناغم وفعالية”. مساعد وزير الدفاع، جون كاربي، John Kirby .

استئناسا بتوصيات وثيقة الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة، التي حملت عنوانا مُشبعا  بالرّمزية والإيحاء: “استدامة قيادة الولايات المتحدة للعالم: أولويات الدفاع للقرن الواحد والعشرين، Sustaining U.S. Global Leadership: Priorities for 21st Century Defense “، خصوصا ما تعلّق بضرورة دعم المجال الاستخباراتي والتصنّت والمراقبة وفرض الهيمنة الأمريكية على الفضاء السيبيري والتصدّي لانتشار أسلحة الدمار الشامل، ومُكافحة ما تُسمّيه الولايات المتحدة “إرهابا”، وتجسيدا لتعاليم باراك أوباما المُتوعّد: “سنبقى مُتحفّزين ومتيقّظين، لا سيما في والشرق الأوسط…نعم سنخفّض من الموازنة، لكن على العالم بأسره أن يعرف أن الولايات المتحدة ستحافظ على تفوّقها النّوعي العسكري“، عمد وزير الدفاع الأمريكي، ليون بانيتا، Leon Panetta، إلى إنشاء جهاز استخباراتي جديد سيعمل على “إعادة تنظيم العمل والتنسيق بين الهياكل والمراكز الإستخباراتية الأمريكية وتعزيز جهودها.

هذا ما كشفته مواقع الاستخبارات العالمية والدفاع وما تتناقله آخر التقارير الصحفية، ومنها على سبيل الذكر، تقرير لغراغ ميلر، Greg Miller، منشور بصحيفة الواشنطن بوست الأميركية، The Washington Post، يوضح من خلاله أن وزارة الدفاع الأميركية ( البنتاغون)، باتت تعمل وفق مقاربة استخباراتية جديدة، وذلك للتصدّي للأهداف الاستراتيجية الكبرى بعيدا عن “الاعتبارات التكتيكية للعراق وأفغانستان”، التي طبعت أسلوب وأداء المنظومة الاستخبارية الأمريكية طوال العشرية الأخيرة. ولتعزيز جهود الإستخبارات العسكرية خارج مسارح الحروب، جرت عملية إعادة تنظيم وتأسيس شاملة، تمخّض عنها بعث “الجهاز الدفاعي السرّي، DCS”، ليكون الجهاز رقم 16 داخل شبكة استخباراتية شديدة التعقيد.

مسؤوول رفيع المستوى تابع لوزارة الدفاع الأمريكية، آثر عدم الكشف عن هويته، أسرّ لصحيفة النيويورك تايمز، “أنّ هذه الخطة تمّ اعتمادها استجابة لتوصيات دراسة سرّية يعود تاريخها للسنة الماضية، خلُصت إلى أنّ “جهود التجسّس العسكري يجب أن تكون مُركّزة على أهداف استراتيجية مُهمّة تتخطّى الاعتبارات التكتيكية.” ومن المرجّح أن يستهدف هذا الجهاز المستحدث عدة جهات تتصدّر قائمة مصادر الخطر أو التهديد لأمن ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. من هذه المصادر نذكر: إيران التي تصرّ على استكمال برنامجها النووي، والصين التي تعزّز قدراتها العسكرية، خصوصا أسطولها البحري، ممّا قد يتهدّد التفوّق النوعي الأمريكي، وكوريا الشمالية التي لا تزال تعمل على تطوير برنامجها الباليستي والنووي. كذلك سيكون من مشمولات هذا الجهاز مراقبة منطقة الساحل الأفريقي حيث ينشط ما يسمّى بتنظيم “قاعدة المغرب الإسلامي”.

ونظرا للتنافس الشديد بين مختلف الأجهزة ونكوصها، في الغالب، عن التنسيق فيما بينها، يحرص مؤسّسو هذا الجهاز على التأكيد أنّه سيعمل جنبا إلى جنب مع وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي إيه، CIA”، وفي تناغم تام من أجل دعم عمليات التجسّس في مرحلة يتماهى فيها العمل العسكري بأنشطة الجوسسة، وتتشابك خلالها مهام الوكالة وعمليات الجيش العسكرية، بشكل متزايد.

كما  أوضح ذات المسؤول أنّ “الجهاز الجديد سيحرص على وضع الشخص المناسب بالمكان المناسب لتنفيذ المهام المطلوبة”. ولئن تمنّع عن الإفصاح أكثر بخصوص التغييرات المعتزم إجراؤها و تحديد حجمها و تفصيل الفروع التي ستشملها، إلاّ أنّه ذكر “أنّ الأولويات الاستخباراتية الأميركية المُلحّة ستتركّز على محاربة “الإرهاب” ومنع الانتشار النووي والقوى الصاعدة مثل الصين.”

أما مساعد وزير الدفاع، جون كاربي، John Kirby ، فقد أوضح الغايات من بعث هذا الجهاز هي “الرفع من حرفية العناصر الاستخباراتية ومنحهم فرص التدرّج في سلّم الترقيات”. مؤكّدا على “ضرورة التوظيف المتوازن بين كفاءة العنصر البشري وتطور تقنيات ووسائل الجوسسة”. كما شدّد على أن هذه الخطوة “لا تعني مطلقا عسكرة المجال الإستخباري ولا استئصال أي فرع لإحلال غيره مكانه، بقدر ما هي محاولة لتنسيق جهود جميع العناصر بكافة الأجهزة لتعمل  بشكل متناغم”.

لعلّه ليس مصادفة أن يتزامن إنشاء الجهاز الجديد وتعيين عدد من المسؤولين البارزين في البنتاغون ممّن لهم باع وخبرات عريضة في المجال الاستخباراتي ولديهم آراء منتقدة بشأن المسارح التي عرفت فيها برامج تجسّس الجيش فشلا أو تخبّطا.فقد جاء الإعلان عن الذراع الإستخبارية الوليدة، أسبوعا فقط بعد تعيين مايكل فلين، Michael Flynn، مديرا جديدا للمخابرات العسكرية. وقد كان من بين أكثر المنتقدين للأداء الإستخباراتي الأمريكي بأفغانستان، أداء “يفتقر للمقاربة والفهم الدقيق للمناخ السياسي المحلّي”، حسب تقديره.

أما من وضع الخطة فليس إلاّ مايكل فيكرز، Michael Vickers، وكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات، أو “رجل العصابات مايك” كما يُلقّب،  لمن يجهله، هو أحد التلاميذ النجباء لعرّاب بعبع “الإسلام” الراديكالي، صانع الفيتنام الروسي، مستشار كارتر للأمن القومي وكبير مستشاري أوباما، زبيغنيو بريجنسكي، Zbigniew Brzezinski، وأحد المهندسين المشرفين على برنامج الوكالة المركزية للإستخبارات لتفريخ وتدريب وتسليح الحركات المتطرّفة، التي تضاعف حضورها منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان، ولا تزال حتى يوم الناس هذا الأداة الطيّعة واليد التي تبطش بها الولايات المتحدة حينا وتتحجّج بخطرها حينا آخر، فتغزو طورا و تُحكم قبضتها على موارد الطاقة، تارة. خط ناري ممتدّ من أفغانستان حيث بحر قزوين حتى حقول نفط ليبيا! مايكل فيكرز، أيضا، عضو سابق بقوات العمليات الخاصة، التي ظلّ بها 13 سنة، من 1973 حتى 1986، طاف خلالها بمسارح عديدة منها الشرق الأوسط وآسيا. وقع تعيينه في 29 سبتمبر 2010، مساعدا لوزير الدفاع الأميركي لشؤونِ العمليات الخاصة  من طرف باراك أوباما. كيف لا وهو الخبير بالعمليات الخاصة والإنزالات المظلية، “التي تحسم مجرى أزمة أو حرب بوقت وجيز”، كما يوصف في البنتاغون؟ والحائز على جائزة وكالة الاستخبارات الأميركية “لإنجازه أبرز مخطط استراتيجي وتنفيذه “أكبر عملية سرية بتاريخ الـ”سي آي إيه، CIA ” وهي استخدام المقاتلين في أفغانسان لدحر القوات السوفيتية؟!

للتذكير فإنّ فكرة المشروع في حدّ ذاتها ليست جديدة، إذ سبق لوزير الدفاع الأمريكي السابق، دونالد رامسفيلد، Donald Rumsfeld، أن حاول تطوير القدرات الإستخباراتية لوزارة الدفاع، إلاّ أن وكالة الإستخبارات المركزية، التي كانت على خلاف معه بخصوص حرب العراق من جهة، والرافضة لإختراق العسكر لمجالها الحصري وما يشكّله ذلك من خطر على صلاحياتها وموازناتها ونفوذها، أحبطت وأجهضت مساعيه في مهدها. ما فشل في انجازه دونالد رامسفيلد، بالأمس، ينجح في تنفيذه ليون بانيتا، اليوم، مستفيدا من قربه وتنفّذه داخل الدوائر الاستخباراتية، وهو الذي كان حتى وقت قريب رئيسا لوكالة السي آي إيه.

هكذا يكون حامل جائزة نوبل لل”سلام” قد استكمل آخر البرامج التي لم يسعف بوش وفريق إدارته الوقت أو الظرف لتطبيقها! القبضة الفولاذية في قفاز الحرير!! هل تنفع تساؤلات حائرة لأحد مساعدي عضو بارز بمجلس الشيوخ، في تعليق على إنشاء الجهاز: “ما الداعي لذلك؟ ما الذي ينقصنا؟ ماذا يجري تحديدا؟”

هل هو قلق النهايات، الذي تحدّث عنه نعوم شومسكي، Noam Chomsky، يعصف بالإمبراطورية المترنّحة ليجعلها تعاند القانون الطبيعي الذي يحكم مصائر الأمم، لتفرّخ أجهزة استخباراتية، حتى تصل 16 جهازا؟ ثم هل يضمن هؤلاء بقاء الإمبراطورية واستمرار هيمنتها في ظل تنامي قوة المارد الصيني الزاحف بصمت وفي زمن الارهاب السيبيري سيف ديموكليس المسلّط على منظومات واقتصادات وبرامج رهينة شبكة المعلوماتية؟ أم أن الحل يكمن في مراجعة جذرية للسياسات قبل فوات الأوان؟ العسكرة، حتى الآن، هي سيدة الموقف! هل ننتظر جديدا يتمخّض عن الإنتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة؟ لا مؤشّر ايجابي حتى الآن! فصاحب الكتاب الشهير بعنوان “العالم الذي صنعته أميركا، The World America Made”،  الكـاتب اليـميني المعروف روبرت كاجان، Robert Kagan، كما أوضح الأستاذ جميل مطر بالسفير أخيرا، كتب بأحد أحدث مقالاته: “إنّ كثيرا من الناس يخطئون إذا اعتقدوا أن هناك سياسة خارجية أميركية خاصة بالجمهوريين والمحافظين وسياسة خارجية أخرى خاصة بالديموقراطيين. السياسة الخارجية الأميركية، في كلّ الأوقات وتحت كل القيادات، انعكاس دائم ومتواصل لمبادئ المحافظين الجدد، أي أنها في الأصل الثابت: سياسة خارجية يمينية متطرّفة! روبرت كاجان يكتب هذا الكلام وهو العضو في مجلس السياسة الخارجية الملحق بمكتب السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، Hillary Clinton، بل وهو المستشار في الشؤون الدولية لحملة ميت رومني، Mitt Romney، المرشّح ذي الحظوظ الأوفر في الحزب الجمهوري!”

*باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.

 

المراجع:

1-   راجع تقرير تايرون سي مارشال جونيار، Tyrone C. Marshall Jr، تحت عنوان: ” New Defense Service Enhances Intelligence Capabilities”، المنشور على الصفحة الرسمية لوزارة الدفاع الأمريكية، بتاريخ: 24-04-2012، على الرابط التالي: http://www.defense.gov/news/newsarticle.aspx?id=116064 <http://www.defense.gov/news/newsarticle.aspx?id=116064>

2-   مقال ايزابال لاسار، Isabelle Lasserre، : “Le Pentagone investit dans l’espionnage “، المنشور بصحيفة: لوفيغارو الفرنسية، Le Figaro، بتاريخ:24-04-2012، على الرابط التالي: http://www.lefigaro.fr/international/2012/04/24/01003-20120424ARTFIG00627-le-pentagone-investit-dans-l-espionnage.php <http://www.lefigaro.fr/international/2012/04/24/01003-20120424ARTFIG00627-le-pentagone-investit-dans-l-espionnage.php>

3-   مقال ايريك شميت، Eric Sschmitt،:  “Defense Department Plans New Intelligence Gathering Service”، المنشور بصحيفة: النيورك تايمز، The New York Times ، بتاريخ: 23-04-2012، على الرابط التالي: http://www.nytimes.com/2012/04/24/world/asia/defense-department-plans-new-spy-service.html?_r=2&ref=us <http://www.nytimes.com/2012/04/24/world/asia/defense-department-plans-new-spy-service.html?_r=2&ref=us>

4-   راجع مقال غراغ ميلر، Greg Miller،: ” Pentagon establishes Defense Clandestine Service, new espionage unit”، المنشور بالواشنطن بوست، The Washington Post، بتاريخ: 23-04-2012، على الرابط التالي: http://www.washingtonpost.com/world/national-security/pentagon-creates-new-espionage-unit/2012/04/23/gIQA9R7DcT_story.html <http://www.washingtonpost.com/world/national-security/pentagon-creates-new-espionage-unit/2012/04/23/gIQA9R7DcT_story.html>

 

 

 


تعليقات وآراء
النشرة الدورية أنشطة المعهد تحت المجهر مواقعنا إعلانك هنا