وكالة الأونروا على كف عفريت
علي بدوان
قبل أيام خلت، أطلقت وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى والمعروفة اختصاراً باسم وكالة (الأونروا) نداء الاستغاثة الأول للعام الجاري 2012، وهو أمر درجت الوكالة على إطلاقه أكثر من مرة كل عام منذ مايقارب العقدين من الزمن، وتحديداً منذ العام 1990. والمقصود بنداء الإغاثة حث الدول المانحة للوكالة بما فيها بعض الدول العربية للتبرع المالي للوكالة لسد العجز المتزايد في ميزانيتها، ومن أجل مواصلة عملها واستمرار برامجها المقدمة لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس المعروفة (قطاع غزة، الضفة الغربية، سوريا، لبنان، الأردن). وهو عجز مازال يجرجر نفسه من عام لآخر، وقد انطلقت منه رئاسة الوكالة لتبرير التراجع في تقديم خدماتها الصحية والتعليمية وخدمات الإغاثة الاجتماعية لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وفي ودول الطوق الثلاثة (سوريا، لبنان، الأردن) التي تتواجد فوق أراضيها أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين.
نداء الاستغاثة وإدامة العجز
الوكالة، طالبت في ندائها الأول للعام الحالي 2012، بجمع ثلاثمائة مليون دولار لصالح اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية تحديداً على ضوء تفاقم الأزمات العامة التي يعانيها مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة في جوانبها المختلفة، خصوصاً منها الجانب الاقتصادي مع اتساع دائرة العسر الشديد، وانتشار العوز والفاقة في ظل الحصار المضروب عموماً على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، حيث أشارت (مارجوت أليس) نائبة المفوض العام لوكالة الأونروا في مؤتمر صحفي عقدته بغزة قبل أيام الى أن (75%) من حجم الأموال المراد من وراء هذا نداء الاستغاثة الأول للعام الحالي 2012 ستخصص لصالح قطاع غزة الذي لا تزال الاحتياجات الإنسانية فيه منتشرة وحادة التأثير بعد مرور ثلاثة أعوام من الحرب الإسرائيلية عليه. فيما سيتم تخصيص الـ (25%) الباقية لصالح عمل ومشاريع الوكالة في الضفة الغربية والقدس، حيث تعرض خلال العام الماضي ما يقارب من (1100) فلسطيني للتشريد بسبب عمليات الهدم والتهويد بالقدس الشرقية ومناطق في الضفة الغربية.
ويشار في هذا الجانب إلى أن أكثر من (70%) من سكان ومواطني قطاع غزة هم من اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا موطنهم الأصلي في أعقاب نكبة العام 1948 من مناطق يافا واللد والرملة وبئر السبع وجنوب فلسطين عموماً. كما أن أكثر من (40%) من مواطني الضفة الغربية والقدس هم أيضاً من اللاجئين الفلسطينيين الذين تم اقتلاعهم من أرض وطنهم التاريخي من وسط فلسطين التاريخية ومن (جنوب شمالها) عام النكبة.
ومن المعلوم في هذا الصدد أن وكالة الأونروا كانت قد أكملت انجاز (22) مشروعاً في قطاع غزة، بقيمة تقارب (22,5) مليون دولار أميركي ضمن خطة عملها للمساهمة في إعادة إعمار قطاع غزة والتي تبلغ قيمتها الإجمالية في الجانب المخصص لوكالة الأونروا نحو (667) مليون دولار.
وبالعودة إلى نداء الاستغاثة الأول الموجه من قبل وكالة الأونروا للعام الجديد، فان الدلائل الكامنة وراءه تعطي مؤشرات قوية بأن هناك اتجاهاً عاماً تقوده الولايات المتحدة ومعها بعض دول غرب أوروبية، وبالطبع إسرائيل لتجفيف موارد الوكالة وإدامة العجز المالي في مختلف مؤسساتها، ووضعها على كف عفريت، على طريق إنهائها وإحالتها على التقاعد، وهي العملية التي بدأت بشكل ملموس منذ بدء مفاوضات التسوية العربية/الإسرائيلية بعيد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشهر العاشر من العام 1991 .
خطوات مشبوهة لم تنجح حتى الآن
في مسار الدور الأميركي والغربي المشبوه والإسرائيلي بالطبع، لإلغاء عمل الوكالة وتغيير منحى عملها، فان أكثر من خطوة قد حاولوا تمريرها في هذا المجال، منها السعي لتغيير المناهج خصوصاً المواد الاجتماعية في مدارس وكالة الأونروا في مناطق عملياتها الخمس (كتغيير خارطة فلسطين وأسماء مدنها وقراها، وشطب رواية النكبة من كتب التاريخ وتدريس قصة الهولوكوست اليهودية في مدارس الوكالة، كمادة اثرائية لمفهوم حقوق الإنسان، انطلاقاً من إننا في عصر السلام… الخ) وقد أحبط هذا المشروع في بداياته في دول عربية عندما رفضت الجهات الرسمية أي تعديل يتنافى مع المناهج الوطنية والاجتماعية التي تدرس في مدارس الوكالة في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، خصوصأ في الجانب المتعلق بالقضية الفلسطينية.
ومن تلك الخطوات أيضاً، قيام مفوض عام الوكالة (فيلبيو جراندي) بإصدار تعميم على كل العاملين في ساحات عمل الوكالة الخمسة يحذرهم فيها من العمل السياسي الفلسطيني، ويتحفَّظ فيه على الحديث بثقافة العودة. إضافة لإعلان مدير مكتب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) في نيويورك (أندرو ويتلي) شهر أكتوبر 2010 بأن على اللاجئين الفلسطينيين أن لا يعيشوا على وهم تحقيق حق العودة، وبأنه يجب على الدول العربية أن تبحث عن مكان لهم في أراضيها لتوطينهم فيها وقد اضطر لسحب تصريحه بعد الموقف الفلسطيني العام الذي شجب وأدان ماتفوه به.
ومن تلك الخطوات أيضاً، محاولة جهات دولية متنفذة في الأمم المتحدة على تغيير اسم الوكالة عبر موقعها الرسمي، ليصبح اسمها وكالة الأمم المتحدة للاجئي فلسطين، أي من مسمى الوكالة المعروف بـ (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) إلى (وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين), واعتمدت تلك التسمية الجديدة على موقعها الرسمي على الشبكة العنكبوتية للإنترنت، إلا أن ردود الفعل الفلسطينية دفعت الجهات المتنفذة للتراجع عن تلك الخطوة، وقيام المفوض العام للوكالة (فليبو جراندي) بالاعتذار والتأكيد بأن الوكالة قد قررت أن تستمر في الإبقاء على اسمها كوكالة للأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى. فالإجراء الذي حاولت الوكالة تكريسه بتغيير اسمها، هو عمل غير بريء، ولم يأت من فراغ، وهو إجراء خطير، له أبعاد سياسية كبيرة، فتغيير مسمى الوكالة يحمل في ثناياه مؤشرات ستؤدي لتغيرات جذرية إزاء عمل هذه المؤسسة الدولية المعنية بشؤون اللاجئين الفلسطينيين. وهنا علينا أن نلاحظ وجود حملات إعلامية مكثفة تقودها أطراف إسرائيلية في الغرب تسعى لإلغاء دور الوكالة الدولية (الأونروا) واستبدالها بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، الأمر الذي يهدد قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم بالعودة، ويساوي بين قضية اللاجئين الصوماليين أو العراقيين أو غيرهم … مع اللاجئين الفلسطينيين على سبيل المثال، حيث البون شاسع بين لاجىء اضطر لمغادرة وطنه وبين لاجىء تم نفيه وشطبه وإحلال الآخرين مكانه على أرض وطنه في عملية (ترانسفير وتطهير عرقي) لم يشهد لها التاريخ البشري مثيل ولا حتى مع الهنود الحمر في القارة الأميركية ولاحتى مع سكان نيوزلندا واستراليا الأصليين. وفي هذا الإطار، علينا أن ننظر بشك وريبة لقيام بعض الجهات الدولية المتنفذة بدفع الوكالة لإصدار مفكرة سنوية للعام الحالي 2012 تتضمن خرائط تؤكد أن فلسطين المحتلة عام 1948 هي إسرائيل الدولة العضو في الأمم المتحدة، وفيها تغيير لأسماء المدن والبلدات الفلسطينية.
دفع كفّارة
إن وكالة الأونروا من الوجهة الإسرائيلية والأميركية باتت لا ضرورة لها، بل يجب شطبها وإنهائها، باعتبارها تمثل الشاهد الدولي الحي على الجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني عام 1948 عندما أقيمت دولة إسرائيل على أنقاض كيانه الوطني والقومي.
وعليه، إن استمرار عمل وكالة الأونروا ليس فقط ضرورة كبرى من أجل تقديم الخدمات لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين بجوانبها الثلاثة : الصحية والإغاثة الاجتماعية وخدمات التعليم، بل ضرورة ذات بعد وطني لها علاقة بتأكيد قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يشكلون نحو أكثر من (70%) من تعداد الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. فوكالة الأونروا تعتبر بشكل أو بآخر التجسيد العملي للاعتراف الدولي بمأساة الشعب الفلسطيني منذ نكبة العام 1948، وقد تم تأسيس الوكالة عام 1949 وربط قرار إنهاء عملها بتوفير الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينين وفق القرار الدولي (194) القاضي بحقهم في العودة إلى أرض وطنهم التاريخي.
وانطلاقاً من ذلك، فان تجفيف موارد الوكالة، والضن الدولي عليها من قبل الولايات المتحدة، ولجوء الوكالة لطريقة إطلاق نداءات الاستغاثة أكثر من مرة كل عام ليس عملاً بريئاً، بل عملاً موجهاً له علاقة بسعي الولايات المتحدة لإنهاء عمل الوكالة، وبالتالي في طي قضية اللاجئين الفلسطينيين والقفز عنا في أي مفاوضات قادمة.
وفي هذا السياق، يقع على الجامعة العربية وعلى مجمل الدول العربية والإسلامية والصديقة ضرورة التأكيد على دور وكالة الأونروا وتوفير السيولة المالية لها من صندوق الأمم المتحدة، ودفعها لتجاوز أزماتها المالية، والكف عن دفعها نحو استجداء أطراف دولية مختلفة للتبرع لها. أن وكالة الأونروا حق للشعب الفلسطيني، وهي بمثابة (دفع كفاّرة) للشعب الفلسطيني من المجتمع الدولي خصوصاً الغرب والولايات المتحدة الذين أقاموا دولة إسرائيل على أرضه وكيانه الوطني والقومي وساهموا بتشريد أكثر من (60%) إلى دياسبورا الشتات والمنافي. وبالتالي فان إنهاء عمل الوكالة يفترض به أن يتم بعد انتفاء الأسباب التي أدت لنشوئها بقرار دولي عام 1949 من خلال تطبيق القرار الأممي (194) القاضي بحقهم في العودة إلى أرض فلسطين. فعمل الأونروا يرتكز على مفهوم خدماتي ومفهوم سياسي، وأن عودة اللاجئين إلى فلسطين المحتلة عام 1948 يشكل صلب المفهوم السياسي من عمل الأونروا.





