حديث رئيس الأركان الأميركي مع أعضاء الكونجرس عن مصر     ---     وكالة الأونروا على كف عفريت     ---     حماس والتفكير بصوت مسموع؟!     ---     ” قراءة في مشروع قانون الأحزاب”     ---     النووي السعودي: هل هي مرحلة مراجعة المسلّمات الإستراتيجية ؟     ---     الفيتو الروسي الصيني نهاية حلم راعي البقر الامريكي     ---    
الجديد :
الرئيسية » أمة تحت الحصار » البحوث والدراسات » الدراسات السياسية » أمة تحت الحصار » العراق » رسالة الشيطان الأكبر للولي الفقيه

رسالة الشيطان الأكبر للولي الفقيه



أخبار ذات علاقة
إعلان تجاري
12-01-24 21:58 0 المشاركات RSS 2.0

رسالة الشيطان الأكبر للولي الفقيه

 

نزار السامرائي

 

ليس من المهم معرفة من قام بإيصال رسالة الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما، إلى مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، كذلك فإن مضمونها لا يبدو أنه شغل اهتمام المراقبين كثيرا، بقدر ما تعاملوا مع الشكل والإخراج السياسي لهذه اللفتة المدروسة بعناية داخل مراكز صنع القرار الأمريكي، ويبدو أن الإدارة الأمريكية وفي اللحظة التي طفت فيها على السطح فكرة توجيه رسالة لخامنئي من أوباما، عقدت العزم على الكشف عن توجيهها، وربما كان ذلك قد تزامن في لحظة فض غلاف مظروفها من قبل المرشد الإيراني، وإلا لكانت إيران قد تكتمت على الرسالة حتى النهاية وإلى أن يرفع الحظر عن الوثائق الأمريكية بعد ثلاثة عقود، فبناء الخطاب الديني السياسي البارز على واجهات الأبنية في شوارع إيران منذ عام 1979، أقيم على ركيزة العداء المعلن مع الولايات المتحدة حتى في أنشط درجات التواصل الخفي بين الجانبين، والكشف عن هذا المستوى من الاتصالات مع الشيطان الأكبر، يمكن أن يجرح مصداقية ما تطرحه الثورة الإيرانية من شعارات للكسب السياسي، وتوظيف حالة العداء المعلن لأمريكا، في الوطن العربي والعالم الإسلامي للتغلغل في مجتمعات عانت كثيرا من الهيمنة الأمريكية سياسيا واقتصاديا، وأصبح البحث عن مخلص من الحقبة الأمريكية هاجسا مشتركا لكثير من القوى الفقيرة إلى الرصيد الحقيقي شعبيا والباحثة عمن يتبناها حتى لو حصل ذلك مع مرابٍ كبير.

 

ولكن أهمية الرسالة تتأتى من عدة محاور، أولها تزامنها مع توقيع الرئيس الأمريكي لقرار جديد بتشديد العقوبات الاقتصادية على إيران، ومع ارتفاع لهجة التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز بوجه الملاحة البحرية، فيما لو منعت من تصدير نفطها، وهذا يؤكد أن الطافي من العلاقات السياسية يتصادم مع الغاطس، وأن اعتماد الخطوط المتوازية في العمل الدبلوماسي يشكل العمود الفقري للدول الكبرى وكذلك التي تحاول التشبه بها.

 

 فإذا كانت إيران قد عادت إلى أساليب الابتزاز في تحويل اتجاهات المعركة مع دول المنطقة، لأنها عاجزة عن مواجهة الدول الكبرى، وتتصرف بهذه الدرجة من الطيش والانفعال المصحوب بغطرسة فارغة، فماذا علينا أـن نتوقع منها  فيما لو واجهت ظرفا مماثلا وكانت تمتلك ترسانة نووية مع صواريخ عابرة للحدود، وما هي طبيعة السلوك الإيراني مع دول منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي بشكل خاص، لو تحقق طموحها المريض بامتلاك القنبلة الذرية، واستطاعت فرض إرادتها على الآخرين؟ قطعا ستتصرف بتعال وتحرك أدواتها المحلية لإرباك الوضع الأمني وخلق ظروف سياسية تعطيها مبرر التدخل بعد أن تكون حشدت لذلك تغطيات إعلامية من جيوش تابعة لها، تضخم من حجمها لتبدو البلاد وكأنها في حالة فوضى واضطراب لا مخرج منهما.

 

وثاني محاور أهمية رسالة أوباما، أن الرئيس الأمريكي سحب الاعتراف بوجود رئيس للجمهورية في إيران مكلف بموجب دستور بلاده بإدارة ملف العلاقات الخارجية وإدارة ملف الأزمات ذات الصلة بالخارج، واعتبر وجوده شكليا لا يقدم ولا يؤخر، وثالثها أن استجابة علي خامنئي للرغبة الأمريكية في وضع محمود أحمدي نجاد ووزير خارجيته على الرف المهمل، كانت فوق توقعات الإدارة الأمريكية بما فيها وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية لاسيما وأن العلاقات بين الرجلين ليست في أحسن أحوالها، ويمكن ملاحظة ذلك من الطريقة الاحتفالية التي استقبلت فها رسالة أوباما، والتعامل الحذر من جانب كبار المسؤولين الإيرانيين مع ما جاء فيها أو كيفية االتعامل معها، وتعهدهم بالرد عليها بصورة تعكس رغبة دولة الولي الفقيه في عقد الصلح مع الشيطان الأكبر، فإيران إذا كانت لا تسمع قرع طبول الحرب حولها، فليس معنى ذلك أن هذه الطبول لا تقرع بقوة وبصوت عال، وإنما تعكس حاجة إيران لمراجعة طبيب متخصص بأمراض الأذن ليس إلا.

 

ومع كل ذلك فإن التساؤل عن شخصية حامل رسالة أوباما إلى خامنئي، لم يخرج من حلبة النقاش بصورة نهائية، بعض المراقبين ذكروا اسم أحمد داود أوغلوا وزير خارجية تركيا، ولكن مصادر من الدوائر القريبة من جلال الطالباني، لم تشأ نزع هذا الشرف عن الرئيس العراق ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يحتفظ بعلاقات قديمة ومتينة جدا مع طهران، غير أن الزيارة الخاطفة لأوغلو لطهران، ثم زيارة وزير الخارجية الإيراني لأنقرة وما رافقهما من تصريحات، تنبئ بأن تركيا هي من لعب هذا الدور، حتى أن طهران نسيت تهديداتها السابقة لتركيا باستهداف منظومة الدرع الصاروخية التي أقامتها الولايات المتحدة فوق الأراضي التركية، في محاولة استباقية من طهران لردع تركيا عن المضي قدما في خطتها هذه، ولأن تركيا تمتلك خبرة طويلة بالطباع الإيرانية المناورة والمراوغة، تمتد لأيام الصراع بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، فإنها تجاهلت تماما التهديدات الإيرانية، واعتبرتها مجرد تأوهاتٍ من لسعةٍ مباغتة أو استغاثة محتضر، وهكذا تكون زيارة صالحي وزير خارجية إيران اعتذارا ضمنيا عما وجهته طهران لأنقرة من ملاحظات أو اتهامات مع اشتداد أزمة الدرع الصاروخية، حتى عادت إلى الواجهة السياسية صورة الدور التركي المقبول كوسيط بين المجتمع الدولي من جهة، وإيران من جهة أخرى بشأن برنامج الأخيرة النووي، ولكن هذه المرة بعد أن تلقت تحذيرات أمريكية جدية فيما لو مضت إيران قدما في برنامجها النووي، وفيما لو حاولت إخضاع العالم لإرادتها بلغة الابتزاز بتهديد الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وهكذا تعطي إيران الدليل على أنها دولة لا تستجيب لمحاولات الترغيب مهما علا ثمنها، وأنها لا تفهم غير القوة لغة في تعاملها مع شعبها وعلى مستوى العلاقات الدولية والثنائية.

 

فهل تغيرت تركيا إلى الحد الذي جعلها وسيطا مقبولا، بعد عدة أسابيع من التوتر العالي المستوى الذي طبع علاقات طهران وأنقرة؟ ولماذا لا ينطلق قطار الموقف العربي، وخاصة في الاستجابة لدعوة المملكة العربية السعودية في تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى صيغة أكثر تماسكا وقدرة على انتزاع احترام الأطراف الأخرى، التي تتباين مقاييس تقييمها لمكانة الدول، كي يصبح مجلس الاتحاد الخليجي قوة تفرض حضورها على الساحتين الإقليمية والدولية.

 

ينظر العالم إلى المساحة الجغرافية كمعيار لمكانة الدول، وآخر ينظر إلى عدد السكان، وثالث إلى حجم القوة العسكرية ومدى تطورها ومن مصادر محلية مع إطلالة بحرية كافية، ورابع يعتبر وفرة الثروات الطبيعية من مياه وأراض زراعية ومعادن مختلفة كالنفط والاقتصاد المتنوع والتطور التكنولوجي، هو المعيار الوحيد للحكم على مكانة الدول بين الأمم، يمكن أن يكون أيا من هذه العناصر سببا كافيا لإعطاء شهادات الجدارة، ولكنها إن التقت مع بعضها واجتمعت كلا أو جزءً في بلد واحد، فلا شك أنه سيحظى بوضع خاص في العلاقات الدولية، وربما نجد هنا تكمن عوامل الصعود التركي، والذي لم يكن مفاجئا لمن خطط له، ولكنه كان مفاجأة لمن راقبه عن بعد وخاصة لمن كان قد زار تركيا قبل صعودها الاقتصادي.

 

دور تركي جديد

 

أذكر أنني كنت ضمن الوفد العراقي الرسمي برئاسة المرحوم طه ياسين رمضان حينما كان يشغل منصب النائب الأول لرئيس الوزراء، والذي زار تركيا في 9 أغسطس عام 1981، بدعوة رسمية من رئيس الوزراء التركي حينذاك بولند أولصوي، والذي كان في وقت سابق وقبل انقلاب الجنرال كنعان أفرين،  قائدا للقوات البحرية التركية، وبعد تنفيذ انقلاب أفرين مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي، جاء به رئيسا للحكومة العسكرية التي فاقمت من سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية، بدلا من حلها كما كان الانقلابيون يطرحون في بياناتهم عند إزاحة الحكومات المدنية، كانت اجتماعات الوفد في أنقرة، ولكن الحكومة التركية أرادت الاحتفاء بالوفد العراقي وربما بالغت في ذلك فرئيس الوفد العراقي لم يكن رئيسا للحكومة، ولكنها وفي رسالة سياسية ذات مغزى للجانب الإيراني، أرادت أن تقول بأن أنقرة لا تشاطر طهران وجهات نظرها بشأن الحرب التي كانت في ذلك الوقت تقترب من نهاية عامها الأول، وخاصة ما يتعلق بشعار تصدير الثورة، وكذلك لصم الخميني أذنيه عن كل دعوات السلام الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، أو تلك التي أطلقتها منظمة المؤتمر الإسلامي، أو لجنة الحكماء التي رأسها الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري، أو تلك التي صدرت من عقلاء إيران على قلتهم والذين رأوا في توجهات الخميني، انتحارا إراديا لبلادهم والمنطقة، ولهذا أعدت الحكومة التركية للوفد زيارة خاصة إلى اسطنبول ونظمت جولة بحرية معبرة في البسفور، انطلاقا من مقر قيادة القوات البحرية، أتيحت لنا رؤية جانبي المضيق وكأن مضيفينا الأتراك أردوا توجيه رسالة عن عبقرية خطة عبور البسفور وفتح القسطنطينة، ومع ذلك فإن تركيا العثمانية التي عبرت إلى أوربا في عهد السلطان محمد الفاتح ذي الطابع الإسلامي، لم تتمكن في عهد الاتاتوركية العلمانية وحتى الآن من العبور إلى أوربا سياسيا، لتصبح عضوا في اتحادها الأوربي، بسبب عقد الماضي بين الطرفين والذي عمّق من صراع الحضارات بين الإسلام والمسيحية وما تزال آثاره تفرض نفسها على الواقع الدولي.

 

 ولكون القارة الأوربية ظلت لعدة قرون ساحة لصراع إرادات وصدام بين ثقافتين وحضارتين، لم تتمكنا من التعايش ولم تستطع أي منهما إخراج الأخرى من الحلبة، ولأن أوربا ظلت تستذكر ما تركته الحروب الصليبية من شطر العالم إلى نصفين، فقد كان لازما البحث عن آصرة جديدة يتم بموجبها حلف تلفيقي بين عالمين، كانت الحرب هي أداة التواصل الوحيدة بينهما لعدة قرون، على ذلك ومن أجل إزالة آثار الماضي، كان على تركيا أن تلتقط رسالة العالم المسيحي، بأنها يراد منها أن تكون قوة عسكرية مطلوب حضورها المستمر من قبل التحالف الغربي، لتنوب عنه في تقديم التضحيات وضريبة الدم في معارك ليست لتركيا مصلحة فيها أبدا، من دون أن يرتب على العالم المسيحي صفة الاصطفافات الصليبية مرة أخرى، ومن دون يرتب ذلك لتركيا استحقاق الانتماء بجدارة، للثقافة الغربية المنغلقة على المسيحية حتى وهي ترفع أكثر الشعارات العلمانية تطرفا.

 

تركيا في ميزان الجغرافية السياسية

 

عام زيارتنا لتركيا لم يكن ذلك البلد أكثر من جار شمالي للعراق، مطلوب منه أن يحافظ على خط صادرات العراق النفطية عبر ميناء جيهان، أو طريقا بريا آمنا لمستوردات العراق المختلفة عبر المواني التركية على المتوسط بعد تعرض خطوطه الملاحية عبر الخليج العربي، لتهديدات إيرانية تتطابق في مضمونها وفي خطابها المعلن مع التهديدات الإيرانية لدول الخليج العربي هذه الأيام، وربما لم تكن تركيا أيضا أكثر من بلد يحرص العراق على ضمان تدفق المياه إليه في حوضي دجلة والفرات لتستمر الحياة على حالها في بلاد كان اسمها على الدوام بشتق منهما، وكان العراق حريصا على الحصول على استحقاقه من مياه دجلة والفرات، بما ينسجم وقواعد القانون الدولي في الأنهار المشتركة، تلك القواعد لم يكن يُنظر إليها من الزاوية نفسها من قبل الدول الثلاث المتشاطئة على الرافدين، على العموم نجحت الزيارة في تحقيق أهدافها كاملة وخاصة ما يرتبط بتأمين متطلبات تجارة العراق عبر تركيا، وربما كنا نلمس الفقر يتجول في كل مكان ويسحق تحت أقدامه الملايين.

 

كانت تركيا في ذلك الوقت بلدا محدود التأثير على الخارطة الإقليمية نتيجة التصادم المؤكد بين الجغرافية السياسية التي جعلت من تركيا بلدا شرق أوسطيا، وبين طموح جارف للنزعة الاتاتوركية في سلخها عن محيطها وبيئتها وربطها بأوربا والعالم الغربي استراتجياً، كنت في ذلك الوقت ممثلا لوزارة الثقافة والإعلام في اللجنة العراقية التركية للتعاون الاقتصادي والفني، وحينما وصل الوفد العراقي وبسبب عدم قدرة تركيا على اختيار طريقها الخاص مفاضلة بين محيطها الإسلامي وتطلعاتها الأوربية، فقد عانت من صعوبات اقتصادية وعاشت أزمات سياسية تجسدت في سلسلة من الانقلابات العسكرية التي منعتها من التقدم خطوة واحدة إلى الأمام في المجال الاقتصادي ونقل التكنولوجيا وتوطينها، أذكر يومها أن الحكومة التركية وضعت تحت تصرف أعضاء الوفد العراقي سيارات من نوع شيفروليت كان أحدثها من موديل 1954، كان ذلك عام 1981، ولم يترك لنا مرافقونا هامشا من التساؤلات الحائرة، فبادروا من تلقاء أنفسهم لتقديم تبرير لهذا النقص في مستلزمات الضيافة، بأن تركيا ليست بلدا نفطيا وهي تعاني من أزمات اقتصادية بنوية في غاية الصعوبة.

 

الجيش التركي ثاني قوة مسلحة في حلف شمال الأطلسي

 

وعلى الرغم من أن تركيا كانت تمتلك ثاني جيش في عدد رجاله في حلف شمالي الأطلسي، إلا أن ذلك لم يجعلها رقما إقليميا مؤثرا في منطقة الشرق الأوسط، ومن المعروف أن تركيا لا تتدخل كثيرا في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، باستثناء ما تعتبره تهديدا لأمنها القومي وخاصة ما يتعلق بقضية الحركة الكردية المسلحة الآخذة بالتصاعد في ذلك الوقت، أو حساسيتها المفرطة من إثارة قضية الأرمن، أو ما تعده تهديدا للأقليات التركمانية في دول الجوار ومنها العراق، كانت تركيا تحتل الجناح الجنوبي للحلف المذكور في مواجهة جارها الشمالي أي الاتحاد السوفيتي، وظل الغرب ينظر إلى تركيا على أن مهمتها لا تتعدى دور اللغم الأرضي، أو أكبر حقل ألغام فوق الأرض على الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي، لعرقلة تقدم قوات حلف وارشو في ذروة الحرب الباردة.

 

تركيا ورحلة الانتقال من عالم إلى آخر

 

ولكن حقبة الثمانينات نفسها شهدت أحداثا مفصلية في تاريخ العالم المعاصر حول تركيا مما لا يمكن منع تأثيرات نسائمه الهادئة حينا والعاصفة معظم الأحيان عليها، فقد مرت فوق جسر البسفور آلاف وآلاف من الشاحنات الناقلة لتجارة أوربا مع آسيا والخليج العربي بشكل خاص، كما عبرت عشرات الآلاف من السفن التجارية من تحت الجسر الرابط بين أوربا وآسيا، ليجسد كل ذلك دور تركيا الرابط بين القارتين اللتين كتبت فوق أرضهما أولى أبجديات التاريخ وسطور الحضارة الإنسانية، وجرت بفعل ظاهرة المد والجزر مياه كثيرة بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، ولكن ذلك كله لم يمهد الطريق لعودة تركيا إلى محيط اهتمامها الاستراتيجي أي العالم الإسلامي، ولتعبّد الطرق المؤدية إلى الازدهار الاقتصادي من خلال العودة إلى محيطها الإقليمي في الوطن العربي ودول آسيا، حيث تتحكم تركيا بالمضائق الرابطة بينهما، وتعاقب الليل والنهار وأفلت أقمار وغابت نجوم، ولكن تركيا ظلت تراوح مكانها، بحيث وقف العالم مندهشا من أن تركيا التي اختارت التحالف مع الغرب على حساب محيطها الأصلي الذي تنتمي إليه حتى ساهمت في الحرب الكورية إلى جانب الأمريكان، لم تحصل من الغرب وخاصة الولايات المتحدة ولو بفضلة من بعض انجازات التكنولوجيا إليها، فكانت مفارقة كبيرة أن تناطح التكنولوجيا الكورية الجنوبية ما تنتجه الولايات المتحدة واليابان، وتبقى تركيا على الحال الذي كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية.

 

ومن دون أن ينجح الرئيس الأمريكي حينها رونالد ريغان في وضع برنامج حرب النجوم الهوليودي موضع التنفيذ، انهار الاتحاد السوفيتي الذي خصص معظم موارده لمواجهة ذلك البرنامج، وبعد أن بدأ الغزو الذي نفذه لأفغانستان عام 1979 يأكل من لحم الاتحاد السوفيتي وعظمه على حد سواء، لم يجد غورباتشوف بدا من الاعتراف بالهزيمة المرة بعد عشر ستوات من الغزو، مع المحافظة جهد المستطاع على انجازات البلاد في مجالات البناء والتكنولوجيا، على الرغم من أن الفوضي كادت أن تأتي على كل شيء، ربما أعطى ذلك كله فسحة لتركيا كي تسترد أنفاسها بعد أن مضى جارها الشمالي إلى نهايته، وبدأت خططا تربط بين العودة إلى الجذور مع التقاط الفرصة المتاحة للبناء الاقتصادي الحديث.

 

تركيا شهدت تحولات كبرى على مختلف الصعد، ويبدو أن دورها الإقليمي والدولي يرتبط بعدة عوامل لعل في مقدمتها الاستقرار السياسي، وقوة اقتصادها وموقعها الجغرافي، وتوفر القوة العسكرية الكافية لحماية هذا الدور، في زيارتي لتركيا مطلع الشهر الجاري للمشاركة في ندوة المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية والتي أقيمت في اسطنبول، وجدت تركيا جديدة تختلف في الشكل والمضمون عن تركيا الأمس، فقد أخذت التطورات السياسية تشق طريقها بثقة عالية بالنفس وصعد التيار الإسلامي المعتدل، حتى أعاد تركيا إلى الواجهة من جديد، فالبناء الاقتصادي آخذ بالارتفاع وربما كان ذلك تحديدا بسبب عودتها إلى محيطها وتربتها التي نبتت فيها ونمت في الماضي، وعالجت أزماتها الاقتصادية ونجحت في توطين التكنولوجيا، وأعادت النظر بمسلمات سياسية كان مجرد التقرب من أسوارها كفيل بخروج الجيش من ثكناته وانتقال رئيس الأركان إلى القصر الجمهوري، وإخراج السياسيين من مكاتبهم الرسمية وسوقهم إلى السجون.

 

 فماذا تغير في تركيا؟ هل أن مجرد وصول حزب بجذور إسلامية إلى الحكم أحدث كل هذا التغيير في تركيا؟ وهل كان انتقال تركيا إلى المركز السابع عشر بين أكبر اقتصادات العالم بناتج قومي بلغ 135 مليار دولار، في الوقت الذي يخيم فوق أوربا كساد أو ركود، مجرد أمنية انتقلت بعصا سحرية من المكاتب إلى مواقع العمل؟ أم أنه تخطيط بعيد المدى، مع إطلاق لموارد البلد لتصب في خطة التمية؟

 

كل هذه العوامل هي التي عززت من ثقة تركيا بدورها الإقليمي والدولي، وأصبحت جسرا يربط بين عالمين، ويحاول أن يلعب أدوارا إقليمية كعصا توازن بعد خروج العراق من المعادلة الإقليمية، نتيجة الاحتلال الأمريكي وما رافقه أو أعقبه من تزايد للنفوذ الإيراني فيه، بحيث بات دور العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم دور الشرطي التابع لقوة القدس التي يقودها قاسم سليماني، الحاكم الحقيقي للعراق.

 

وبرز الدور التركي مؤخرا  وبشكل واضح في الملف النووي الإيراني، وتهديدات الزعامة الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، مما أوجد جوا من القلق والتأزم في أسواق النفط الدولية، فبعد أن تعاملت إيران مع تركيا بطريقة متعالية، وجدت نفسها في نهاية المطاف تتسول وساطة تركيا لتخفيف الضغوط الاقتصادية عليها، وخاصة فرض الحظر على صادرات النفط.

 

وبهذا تؤكد إيران أنها تجيد قراءة رسائل القوة بطلاقة لافتة، ولكن عند الرسائل الضعيفة الواردة من الخارج، ستحتاج إيران إلى محو أميتها، وربما ستلقي بها في أول سلة للمهملات. 

 

 


تعليقات وآراء
النشرة الدورية أنشطة المعهد تحت المجهر مواقعنا إعلانك هنا