لإبقاء “الاعتدال” خيار الأغلبية
د. محمد أبو رمان
الفشل الذريع لاعتصام ما يسمى بالمعارضة الأردنية في الخارج، خلال زيارة الملك لواشنطن، بمثابة مؤشر واضح على طبيعة المزاج السياسي للأردنيين عموماً في الداخل والخارج.
هذه المؤشرات أكّدها بوضوح استطلاع الرأي الذي أجراه مؤخراً مركز الدراسات الاستراتيجية عن حالة الديمقراطية في الأردن قبل أيام. فالنسبة الكبيرة من المواطنين تريد إصلاحات نوعية حقيقية، لكنها لا تبدو في مواقفها متطرفة أو راديكالية، كما جنحت بعض المجموعات التي برزت مؤخراً على المشهد السياسي، إذ من الواضح أنّها لا تملك (إلى الآن) حاضنة اجتماعية ولا قبولاً سياسياً من الطيف العام الواسع من المجتمع الأردني.
هذه الخلاصة ذات قيمة مهمة، وتشي بأنّ الطريق لعبور المرحلة الانتقالية ما يزال مفتوحاً على مصراعيه بالرغم من التعثرات والارتباكات التي حدثت – وتحدث- بدون سبب مقنع، وبالرغم من حالة الاحتقان والضغوط الاقتصادية والمرارة من البطالة والفقر. فمع كل ذلك، فإنّ الشعب ما يزال يراهن على إصلاحات هادئة سلمية تعيد بناء “المعادلة” السياسية بتوافق وطني عام. الأردنيون واقعيون ومعتدلون، هذا صحيح، لكننا على “فوهة بركان”، فلسنا في مأمن ولا توجد ضمانات في عدم الانزلاق إلى مرحلة الخطر.
الأغلبية، كما هو واضح من مختلف المؤشرات، تفضّل معادلة توازن بين شروط الاستقرار والهدوء والسلمية وبين المطالب الإصلاحية لتحسين شروط اللعبة السياسية وقطع الطريق على الفساد والتهميش السياسي والاقتصادي. لكنّها تحت وقع تدهور في الظروف الاقتصادية أو ارتفاع منسوب الاحتقان وخيبة الأمل، قد تجنح الأغلبية نحو الخيارات المتطرفة؛ فما يبقي الاعتدال خيار الأغلبية أنّ العلاقة مع الواقع لم تصل حدّ الطلاق الكامل، ولطبيعة التوازنات السكانية الحساسة.
ما يقطع الطريق على سيناريو الانفجار أو الانزلاق إلى التطرف السياسي، ويبقي الأغلبية الكبيرة من المواطنين في حيّز المطالب الإصلاحية المعتدلة هو الإسراع في إقرار قانون الهيئة المستقلة التي تشرف على الانتخابات، وإرسال قانون انتخاب إلى مجلس النواب، وتحديد مواعيد تقريبية للانتخابات البلدية والنيابية، مما يجعل الطريق أكثر وضوحاً أمام الجميع.
الإعلام والرأي العام معنيان بالضغط على مجلس النواب لإقرار قانون الهيئة المستقلة المشرفة على الانتخابات النيابية المقبلة، إذ إنّ المجلس لم يمنح مشروع القانون صفة الاستعجال، ويبدو أنّه يسعى إلى تأجيله وترحيله، للمماطلة بقرار حل مجلس النواب، وهي أجندة تنمو في أوساط المجلس ولدى قوى يمينية بدأت تشعر أنّ رياح الانتخابات ووجهة صندوق الاقتراع ليست في صالحها، فبدأت تروّج لتأجيل الانتخابات النيابية وإبقاء المجلس الحالي.
الحكومة، بدورها، إن أرادت أن تنجح في مهمتها التاريخية بقيادة المرحلة الانتقالية، عليها أن تركّز جهودها خلال المرحلة القادمة على بناء تفاهمات مع القوى السياسية المختلفة، على قانون الانتخاب المطلوب، بعد أن تحرّك بالأمس اليساريون والقوميون يطالبون بقانون التمثيل النسبي، فيما تتجه الحكومة إلى صيغة قريبة من صيغة قانون الـ89.
الحل يكمن في الجمع بين التمثيل النسبي على مستوى الوطن من خلال القائمة النسبية المغلقة، ولو بحدود 30 % مع قانون الـ89، وهي صيغة شبه توافقية بين قوى سياسية عديدة، وبالمناسبة قريبة جداً من تلك التي كانت تعدها حكومة د.معروف البخيت قبيل رحيلها.
إذا أردنا الابتعاد عن حافة الهاوية، فعلينا أن نرسم طريقاً في الاتجاه المعاكس، وذلك يكمن حصرياً في تقصير عمر المرحلة الانتقالية والإسراع في الانتخابات النيابية والبلدية، وفق القواعد الجديدة للعبة.





