تأملات في أسباب ودوافع عزوف مشعل عن التجديد
شاكر الجوهري
يجد المراقبون للشأن الفلسطيني صعوبة في توقع يقيني لمآلات اعلان خالد مشعل رغبته في عدم الترشح لولاية أخرى, رئيساً للمكتب السياسي لحركة “حماس”, وإن كانت تطورات دراماتيكية حدث بعضها, وقد يحدث بعضها الآخر, تؤهل مشعل لتولي رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية, وتولى حركة “حماس” رئاسة السلطة عبر بوابة عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي تم اعتقاله لإغلاق الباب دون مثل هذا الإحتمال.
ترى المصادر أن إبداء مشعل رغبته بعدم تجديد ولايته, ناجم عن تراكمات كمية في العلاقة مع بعض الجهات داخل الحركة.
وتعيد المصادر إلى الأذهان الإنتقادات العلنية التي صدرت الصيف الماضي عن الدكتور محمود الزهار بحق مشعل. يومها, تؤكد المصادر رغم النفي الرسمي الذي صدر في حينه, أن اجراءاً اتخذ بحق الزهار يتراوح بين إدانة ما صدر عنه, وتجميد عضويته لفترة زمنية في المكتب السياسي.
انتقادات الزهار, التي قال فيها ضمن أمور أخرى لم تعد لنا حاجة لبقاء القيادة في الشام أو في أي عاصمة عربية، ما دامت غزة قد تحررت, تعكس تبايناً في الموقف داخل قيادة “حماس” بشأن الحدث السوري.
بالتزامن مع ذلك الخلاف العلني, تسرب أنه كانت للبعض في حينه مآخذ على مشعل, كونه من وجهة نظر منتقديه، أكثر مرونة في التعاطي مع الإتجاه القومي, في إشارة إلى نظام الحكم في سوريا, في حين أن قيادات “حماس” في غزة أكثر التزاماً بفكر الإخوان المسلمين وقضاياهم الأمنية, وذلك في إشارة إلى الدور القيادي الذي لعبته تنظيمات الجماعة في تونس ومصر واليمن وليبيا.
هنالك تجاذبات داخل “حماس” بشأن الموقف من الحدث السوري, حيث أن مشعل واغلبية المكتب السياسي, وربما مجلس الشورى أيضاً, ليسوا مع مغادرة سوريا, في حين أن الخط الأكثر التزاماً بالفكر الإخواني, وعلى رأسهم الزهار, مع المغادرة.
وتؤكد المصادر أن بقاء أغلب قيادات “حماس” في سوريا لا ينفي حقيقة انتقال غالبية كوادر الحركة من سوريا إلى غزة.
ومن بين المعارضين لفكرة مغادرة سوريا الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي للحركة, المرشح الأول لخلافة مشعل, الذي يروى عنه التأكيد في مجالسه الخاصة على عدم وجود قرار بمغادرة سوريا.
إلى ذلك, هنالك من يلوم توجهات مشعل المؤيدة لإقتراحات محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية, المنصبة على انتهاج المقاومة الشعبية, على حساب المقاومة المسلحة في هذه المرحلة.
تؤكد المصادر أن هذا ليس رأياً شخصياً لمشعل, وإنما هو موقف يتبناه كثيرون في “حماس”, غير أن منافسين لمشعل يحاولون الصاق هذا الموقف به وحده, وتحميله مسؤوليته.
تضيف المصادر كاشفة عن وجود تنافس, ليس فقط بين قيادات الداخل والخارج, وإنما كذلك بين قيادات الضفة, وقيادات غزة, مع التأكيد على أن مشعل يحظى بتأييد قوي من قبل قيادات في غزة, على رأسها اسماعيل هنية, رئيس الحكومة الفلسطينية في القطاع, وكذلك أحمد الجعبري القائد العسكري لكتائب عز الدين القسام.
الخلاف بين مشعل ومعارضيه تفجر في اجتماع مجلس شورى الحركة في الخرطوم, حيث تلقى نقداً عنيفاً, على خلفية التراكمات القديمة, ما جعله يعلن في نهاية كلمته أمام مجلس الشورى رغبته بعدم الترشح لولاية أخرى.
وبعد برهة صمت وقلق, أجمع اعضاء مجلس الشورى على رفض قرار مشعل, مؤكدين أن المسألة تكليف وليست مسألة شخصية. وأكدوا على ضرورة تأجيل الكلام في هذه المسألة إلى ما بعد الإجتماعات, وأن الحركة هي صاحبة القرار في هذا الشأن, وليست المصلحة الشخصية, والرأي الشخصي..!
الدورة التنظيمية المقبلة لحركة “حماس” موعدها آيار/ مايو المقبل, حيث ستشهد الحركة انتخاب مجلس شورى جديد، ينتخب بدوره رئيسا للمكتب السياسي، تزكية اعضاء من مجلس الشورى لعضوية المكتب. وفي حينه يكون مشعل قد أمضى 16 عاماً رئيساً للمكتب السياسي, منذ تولى هذا الموقع لأول مرة سنة 1996, بعيد اعتقال الدكتور موسى أبو مرزوق في مطار نيويورك, حيث اودع سجن منهاتن, وكان أبو مرزوق في حينه هو رئيس المكتب السياسي للحركة.
وبعد أن كان أكمل مشعل ولايتين رئيساً للمكتب السياسي, أجرى مجلس الشورى تعديلاً على النظام الداخلي, جعل مدة رئاسة المكتب السياسي مفتوحة.
هل يظل مشعل متمسكاً بموقفه..؟!
المصادر تؤكد أنه لا يزال الرجل الأقوى في حركة “حماس”, فضلاً عن تمتعه بـ “كاريزما” مميزة، وعلاقات خارجية وطيدة، غير متوفرة لدى غيره بذات التجسيد.
ومع ذلك, تجمع المصادر على أن محاولة التوقع النهائي منذ الآن, سابقة لأوانها, ذلك أنها ستكون مرتبطة بتطورات لاحقة, متزامنة مع استحقاق آيار/ مايو الحمساوي.
ففي ذات الشهر مقرر إجراء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية الفلسطينية, فضلاً عن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.
مصادر تتساءل, في ضوء ملاحظتها لمدى الإهتمام الذي أولاه مشعل مؤخراً لمنظمة التحرير الفلسطينية: هل لقرار مشعل عدم الترشح لولاية أخرى على رأس المكتب السياسي, علاقة برغبته الترشح لرئاسة اللجنة التنظيمية لمنظمة التحرير..؟
هذا السؤال يفتح على أمرين:
الأول: مدى التزام عباس بتلويحه بمغادرة رئاسة السلطة الفلسطينية, ومغادرة رام الله للإقامة في عمان, في حال عدم تحقق تقدم ايجابي في مفاوضات التسوية السياسية مع اسرائيل قبل 26 الجاري..؟
الثاني: اتجاه عباس في هذه الحالة إلى تسليم رئاسة السلطة مؤقتاً للدكتور عزيز الدويك, رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني, الذي كان لافتاً وصفه في بيانات استنكار اعتقاله التي صدرت عن قادة السلطة, وخاصة سليم الزعنون رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني, بعد أن انكرت السلطة ذلك منذ انتهاء محكوميته السابقة..؟
تسليم رئاسة السلطة الإنتقالية للدويك, تفتح الباب على تسليم “حماس” للسلطة في الضفة, وهو أمر يجد له ما يعززه في:
1ـ مسارعة اسرائيل إلى اعتقال الدويك, منعاً لحدوث مثل هذه الكارثة من وجهة نظر مصالحها..!
2ـ ما تردد مؤخراً من أن عباس يتجه لتسليم السلطة إلى حركة “حماس”.
وذات مرة, قال عباس إنه يريد تسليم رئاسة السلطة إلى الزعنون, تاركاً المحللين يتنقلون بين أن يكون الهدف من هذا “الفتّاش” التلويح لاعضاء بارزين في مركزية “فتح”, بأن طريق الرئاسة مغلق دونهم، أو أن الطريق مغلق أمام “حماس”..؟!
على كل, فإن هناك من يرى أن اصابة الأمور في الضفة بالخراب, وانسداد آفاق التسوية أمام عباس, وعدم أهلية “فتح” لمواصلة قيادة السلطة, قد يدفع عباس لفتح الطريق أمام قيادة حمساوية, وهو ما قد يكون دفع بعض الطامحين الفتحاويين في خلافة عباس، إلى تحريض اسرائيل على اعتقال الدويك, سداً لأبواب الرئاسة في وجه “حماس”..!!
إلى ذلك, فإنه قبل آيار/ مايو المقبل, يفترض أن تكون قد تبلورت صورة نظام الحكم المقبل في مصر, بعد أن فاز مرشحو الإخوان المسلمين بثلثي أعضاء مجلس الشعب, وذلك لجهة ما إن كان الرئيس المصري المقبل سيكون أيضاً اسلامياً.
مصر التي لعبت دوراً تاريخياً في صناعة وانتاج رئاسة منظمة التحرير منذ تأسيسها سنة 1964, مؤهلة الآن لإعادة انتاج هذه الرئاسة من ذات جنس النظام المصري الجديد..!





